شهاب الدين أحمد الإيجي

385

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

والحركات ولا بالجوارح والأدوات ، لا يقال له : متى ولا يضرب له أمد بحتّى ، الظاهر « 1 » . لا يقال ممّ ولا نازل بهلّا ولا ممازج معا ، ليس له أنداد ولا أضداد ، مطهّر من الأزواج بريء من الأولاد ، خلق السماوات بأحسن التقدير وأنشأها بألطف التدبير ، وأقام سبع سماوات بعد أن لم تكن وكانت وأمسكها بعد إذ جالت كالبحار ومارت ، حصنها فشيّد بنيانها وزيّنها بالنجوم السائرة ، فأبّد دورانها وجعل سكّانها الملائكة الأبرار ، يقدّسون الواحد القهّار ، خلق حول السماء عمّارا هم للّه مسبحون دائبون ومن خشيته مشفقون ، ولو أبت السماوات والأرض إذ قال لهما : ائتيا طوعا أو كرها إذا لصبّ عليهم العذاب من بعد الإباء ، فلم يكن له مانع ولا عن عذابه عاصم . وكيف تأبين طاعته وهو ملك جبّار مهيمن قهّار لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، عالم بما دبّ ودرج في الأقطار ، وما يسقط من ورق الأشجار وحبّ الثمار ، ومفيض الجداول والأنهار ، وما طفى ورسب في قاموس البحار ، وما واراه الثرى وجلمود الأحجار ، وما قرّ على الأرض من قرار ، سبحانه من إله لا يرام وقيوم لا ينام ، لا يزول لاختلاف الأزمان ولا لتقلّب شأن بعد شان . وكيف يوصف بالأشباح من أقرّت بوحدانيته الألسن الفصاح ، لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم يخل منها فيقال : هو عنها بائن ، ولم يبعد بافتراق ولم يقرب بالتصاق ، بل هو في الأشياء بلا كيف ولا أين ، وهو أقرب إلى المرء من حبل الوريد ، وأبعد في البعد من كلّ بعيد ، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ولا كرور لفظة ، ولا اختلاج خطرة ولا ازدلاف خطوة ، في غسق ليل داج . . . « 2 » ولا إدلاج ، لا يتفيّأ عليه القمر المنير ولا انبسط الشمس ذات النور ، لا يصرفها الأفول والكرور باقبال ليل مقبل ولا بإدبار نهار مدبر ، أحصى كلّ شيء عددا قبل أن كان وبعد التكوين لها ، فهو العالم بكلّ مكان وقبل كلّ حين وأوان ، الأمد للخلق مضروب والحدّ إلى غير اللّه منسوب ، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ولا أوائل كانت قبله أبديّة ، بل خلق ما خلق فأقام حدوده وصوّر ما خلق ، فأحسن صوره وتوحّد في علوّه ، فليس

--> ( 1 ) . إلى هنا في نهج البلاغة من خطبة : 163 . ( 2 ) . كذا بياض في النسخ .